الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

433

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

بسبب حرارة الهواء . ولما دخل وقت العصر ، قدم حضرة الشيخ هناك . فذهبنا إلى ملازمته فقال : من أين ؟ قلت : من سمرقند . ثم شرع في التكلم بأنواع الحكايات وأظهر في أثنائها جميع ما في قلبي وكان من جملة ذلك كلام صار سببا لحيرة الفقير وخروجي من تلك الولاية ، فأظهره على وجه كان قلبي منجذبا إليه بسببه . وقال في أثناء الكلام : إن كان المقصود تحصيل العلوم فهو هنا أيضا ميسر . والحاصل : أنه تبيّن لي في ذلك المحل : أن ليس شيء من مخفيات الفقير ومكنونات الضمير إلّا وحضرة الشيخ مطّلع عليه ، وتيقّنت أن له إشراقا تاما على بواطن الخلق وضمائرهم . ومن العجائب : إنه مع حصول اليقين بهذا المعنى لم يزل عني ميل السفر لوفور شوق تفرج هراة ، فقصدت قرشي ، فمنعني عن ذلك وقال : بل اذهب إلى بخارى . ولما جئته في غد لاستئذانه قال لي شخص : إنه مشغول بالكتابة . ثم رأيته بعد لحظة قد قام من مكانه وجاء نحوي وقال : قل الصدق والحق ، هل تذهب إلى هراة لتحصيل طريق التصوّف أم لتحصيل العلوم ؟ فسكت من غاية الدهشة فقال مولانا نعمة اللّه : إن ميله إلى جانب التصوّف غالب ، وإنما جعل التحصيل سترا وحجابا له . فتبسم وقال : إذا كان كذلك فحسن . ثم أخذ بيدي وتوجه إلى طرف من البستان ومشى حتى بعد عن الناس ، ثم وقف وقد حصل لي غيبة بمجرد وصول يده إلى يدي ، وبقيت في الغيبة زمانا . ولما أفقت من الغيبة شرع في التكلم وقال : أظن أنك لا تقدر أن تقرأ خطي . فأخرج من جيبه رقعة وقرأ ما فيها ، ثم لفها وأعطانيها وقال : احفظها ولا تضيّعها . وقد كتب فيها : إن حقيقة العبادة خشوع وخضوع وانكسار وتضرع ، وطريق حصولها في القلب شهود عظمة الحق سبحانه وحصول تلك السعادة موقوف على محبته تعالى . وظهور المحبة موقوف على متابعة سيد المرسلين وسند الأولين والخرين عليه من الصلوات أتمها ومن التحيات أكملها . والمتابعة موقوفة على العلم بطريق المتابعة ، فيلزم ضرورة متابعة العلماء الذين هم ورثة علوم الدين للغرض المذكور ، وينبغي أن يجتنب صحبة علماء السوء الذين جعلوا العلم وسيلة إلى معاش دنيوي وسببا لحصول الجاه . وينبغي أيضا الاجتناب عن صحبة المتصوفين اللذين يركنون إلى الرقص والسماع ويأخذون كل ما يتيسر لهم من غير تحاش ، ويأكلون كل ما يجدونه بلا توقف . وينبغي أيضا الاجتناب عن استماع كلمات توحيدية ومعارف تكون سببا لنقصان عقيدة أهل السنة والجماعة . وأن يكون التحصيل لظهور المعارف الحقية التي توقف